شمس الدين السخاوي

416

التحفة اللطيفة في تاريخ المدينة الشريفة

وارتحل في أثناء ذلك وبعده إلى القاهرة غير مرة ، أولها : في سنة أربع وسبعين ، وأخذ عن الأمين الأقصرائي والزين قاسم الفقه ، وغيره من الأصلين والعربية وغيرها ، وعن التقي الحصني في عدة فنون ، بل قرأ عليه القطب ، وعن الشمس الجوجري في الأصول ، في آخرين كالعلاء الحصني قرأ عليه في القطب مع الحاشية عليه للسيد ، والزين زكريا والسمهودي قرأ على كل منهما في تسهيل ونظام ابن الجيبغا ، ولازمه في أشياء ، وسمع على الأميني والشهاب الشاوي والفخر الديمي وغيرهم وكذا لازمني حتى قرأ على ألفية الحديث بحثاً وغيرها من الكتب رواية ، حتى في مجاروتي الأولى بالمدينة ثم قرأ في سنة أربع وتسعين بمكة قطعة من شرحي على الألفية ووقعت نسخة من هناك تحت نظره ، وتميز في غالب الفنون ، وكتبت له إجازة حافلة بل أذن له جمع ممن تقدم في الإفتاء والتدريس ، وولي مشيخة الزمامية بمكة وقتاً ، ثم أعرض عنها لعدم رغبته في الإقامة بغير بلده كما أعرض عن دخول مصر لعدم الفائدة فيها ، وتقنع بالسير ، وكان شيخ الخدام قانم ممن يستفيد منه ، ثم تزايد اغتباط شاهين الجمالي به ، وإقباله على الاستفادة منه وعيبه ، حتى سافر في موسم سنة سبع وتسعين إلى الروم في استخلاص أوقاف الحرمين ، ثم عاد في موسم سنة التي تليها ، وقد استقر عن مالكها في تدريس الحنفية واتفق له وما ناله من هناك سيما وكان قد شرع في بناء بيت بالمدينة ركبه الدين بسببه ، وأقرأني سنة وفاته بعض العجم . . . شرح البابية ، ولم يكمله والبردة وغير ذلك ، وبالجملة فهو فاضل ، علامة ، ذكي ، بارع ، متقن ، سريع الفهم والحركة ، طارح التكلف كثير الأدب ، زائد الاغتباط بتصانيفي ، وليس بالمدينة حنفي مثله ، درس وأفاد بالمسجد النبوي وغيره ، في الفقه والعربية وغيرهما ، وتأسفت حين مجاورتي الثانية بالمدينة على غيبته عنها ، ولما جاء تكرر اجتماعه معي بمكة وفارقني في أيام الثمان في سنة تسع وتسعين راجعاً لبلده بعد الحج ، فمات حين وصوله إليها في أواخر ذي الحجة سنة تسع ، وترك أولاداً أربعة من ابنة البرهان الششتري ، رحمه الله وإيانا ، ومن نظمه : . . . الخطايا ثم حيتك تائباً * وفي توبتي ما قد علمت من النقص وإني لأرجو العفو عما جنيته * لأني رأيت الفضل يشمل من يعص وقوله : حملت ذنوباً أثقل الظهر حملها * وهذا كتابي للقبائح جامع ووالله مالي صالح قد عملته * ولكنني في رحمة الله طامع وقوله : إذا ضاق صدري أو تبلد خاطري * وأصبح فكري بالهموم يوزع